تاريخ المنظمة
بعد الاستقلال استعمل مسيرو البلاد إدارة مستوحاة من الهياكل الموروثة عن النظام السابق وحافظوا على ثلاث مناطق وهي : الجزائر العاصمة، وهران، قسنطينة.
في نفس الوقت فإن مهنة المحاماة تبنّت التنظيم السابق تقريبا بأربع (04) مناطق وهي:
العاصمة، وهران، البليدة، قسنطينة. كانت مدينة قسنطينة مقر مجلس منظمة الشرق التي يترأسها النقيب ( أي كامل الشرق الجزائري).
لقد أثر بعد المجالس سلبا على تسيير المهنة وخاصة المجالس المحلية، مما خلق عدة خلافات عقدت من تسيير المهنة.
إن تفاقم الخلافات نتيجة هذه الوضعية، أدى إلى تجميد تسيير المهنة، مما دفع بمحامي منظمة عنابة مدعمين من قبل محامين آخرين في مجالس أخرى، إلى اتخاذ موقف لوضع حد لهذه الوضعية، فقد كان الهدف المنشود من قبل هؤلاء يصبو إلى وضع مجلس للمنظمة.
إن المعركة دامت مدة زمنية طويلة، نظرا لنقص التجربة من قبل نشطاء هذه الحركة من جهة، ونقص تجربة المسيرين آنذاك من جهة أخرى، الذين استعملوا جميع الوسائل لإفشال هذا النضال.
فبالرغم من هذا السعي، إلا أن كل المجهودات المبذولة منذ 1975 إلى غاية 1983 باءت بالفشل.
لكن وبحلول سنة 1983 سجل انتصار من قبل النشطاء نتيجة انتخاب أعضاء حاملين لنفس الفكرة أي (التغيير)، فكان أول نقيب انتخب آنذاك، وتبنى طريقة عمل أحسن من سابقيه (النقيب علي بن فليس).
لكن المجهودات المبذولة طيلة هذه الفترة لم تكن كافية نظرا لكبر حجم الأزمة، ففي سنة 1985 تم رئاسة النقابة من قبل زميل من ناحية عنابة وهو (النقيب عبد الوهاب بوعديس).
لقد عرف مجلس قضاء عنابة بداية نهضة سريعة في حين باقي المجالس لم تعرف نفس التغيير، ولعل الاستنتاج الذي يفرض نفسه من خلال التجربة السابقة أن الصعوبات المستمرة راجعة إلى تمركز المجلس على مستوى قسنطينة.
لقد كان الأمل المرجو تحقيقه في سنة 1987 هو حل منظمة قسنطينة وإنشاء عدة منظمات، على شرط أن تكون غير ممركزة. و نتيجة لتكريس هذا التغيير تكونت عدة منظمات منها منظمة عنابة.
إن مسيري منظمة عنابة تأهبوا لإعداد برنامج حقيقي للإرتقاء بالمهنة متحررين في ذلك من كل القيود.
فكان مجموعة ضمت الرواد من بينهم النقباء: الأستاذ بابا على عمر، الأستاذ بوعديس عبد الوهاب، الأستاذ سيدهم محمد المنصف، الأستاذ مودع عبد العزيز، الأستاذ طالب نورالدين.
لقد كان من بين مجموعة المهام المبرمجة التوجه في بداية الأمر إلى الاهتمام بالتكوين، وقد تم إعداد كتاب لهذا الغرض لتحديد أهم المراحل التي يحتويها التكوين والتي يضاف إليها مجهودات قدامى المحامين.
ارتكز مفهوم التكوين الجديد في الابتعاد عن الممارسات القديمة، التي لا تظهر إلا بواجهة واحدة، لا يهمها إلا الشكر.
كما أولى مجلس المنظمة أهمية خاصة للجانب الأخلاقي في مهنة المحاماة، فهذا العنصر الرئيسي يؤثر مباشرة من جهة على العلاقات بين المحامين، ومن جهة أخرى على تصرف المحامي مع المواطنين، وأساسا مع السلك القضائي.
لقد واصل مسيرو المنظمة التي تعاقبت منذ 1989 على تبني نفس المنهجية، وواصلت ذلك بدون انقطاع، وحافظت على تطبيق البرنامج المسطر إلى غاية 1990.
إن هذه الاستمرارية في العمل الدؤوب تضاعفت في سنة 1990 أين تم إنتخاب نقيب عنابة رئيسا للاتحاد الوطني للنقابات على المستوى الوطني، مما أضاف دفعة إيجابية للأعمال المبرمجة.
لقد كان مسعى رئيس الإتحاد آنذاك (النقيب عبج الوهاب بوعديس)، يرمي إلى تحسين العلاقات مع السلطة المركزية التي تؤثر على تصرفات المنظمات. فكان التواصل المستمر مع وزارة العدل والذي أدى إلى تحسين العلاقات مع القضاة، وقد أثمر ذلك ميدانيا، فيجب الإشارة إلى المنشور الوزاري الذي وجهه وزير العدل إلى رؤساء المجالس بخصوص الأحداث العديدة التي سجلت بمناسبة الجلسات القضائية.
لقد عاين وزير العدل آنذاك حوادث الجلسات في العديد من المجالس القضائية، وذلك من لجان مكونة من رئيس المجلس و النائب العام والنقيب أو من يمثله من المندوبين.
إذ لا بد في هذا المجال من إعطاء الأهمية لذلك القرار بالنسبة لمكانة المهنة و تسييرها. وقد أسهم تحسين العلاقة مع الوزارة أيضا في تجهيز مكتب الإتحاد، مما سمح لمجلسه بتنظيم انتخابات في هذا المكتب، وكان ذلك بعد أسبوع من انتخاب رئيس الاتحاد، إضافة أنه تم الاتصال بالسيد رئيس الجمهورية الذي رفض في بداية الأمر استقبال ممثلي المهنة نتيجة مقال تم نشره في إحدى الجرائد والذي جاء بانتقادات عنيفة ضد السلطة، ونتيجة لتدخلات أصدقاء المهنة فقد تراجع السيد رئيس الجمهورية عن موقفه و قام باستقبال رئيس الاتحاد المرفوق ببعض النقباء.
كانت زيارة ايجابية، بحيث أن السيد رئيس الجمهورية قام بالرد على طلب قدمه رئيس الاتحاد باطلاق سراح ما يقارب 10 محامين مسجونين في الجنوب لأسباب سياسية.
وتعبيرا على ثقته في المهنة وفي الزائرين فقد طلب السيد رئيس الجمهورية تقريرا حول الوضعية، أين تم تحضير هذا التقرير من قبل رئيس الاتحاد الذي لم يتمكن من تقديمه بسبب إغتيال رئيس الجمهورية فيما بعد، إلا أن هذا التقرير تم تقديمه للجنة خاصة أسست لتحديد الأنظمة الضرورية لتسيير البلاد، والتي كان رئيس الاتحاد عضوا فيها.
إن الأمثلة التي تمت إثارتها تثير كبر حجم المهام الرامية إلى النهوض بالمهنة، ومع هذا فلم تكن كافية.
ولعل عظم مهام رئيس الاتحاد ( نقيب عنابة)، الذي قام بهذه المهام دون مقابل وجد نفسه مضطرا لترك مكتبه والتفرغ لهذه المهام النبيلة.
ولعل موقف الاتحاد من قضية أخرى تثبت مصداقية المهنة، ويتعلق الأمر بقانون تبنته الحكومة يرمي إلى مقاومة الإرهاب.
هذا النص يحتوي على مادة كانت موضوع احتجاج من قبل المحامين، وبعد تدخل رئيس الاتحاد، فقد نظمت رئاسة الجمهورية اجتماعا بين الحكومة ومسؤولي المهنة أين انتهى هذا اللقاء لصالح ما دعا إليه المحامون من الدفع إلى دراسة كيفية معالجة الأزمات.
في هذا الموضوع فإن التقاليد ترمي إلى البحث عنى الحلول التي يجب أن تبنى على التحليل العميق الذي يضمن نتائج إيجابية بالنسبة للعلاقات بين الهيئات من جهة و مسؤولي المهنة من جهة أخرى.
ولعل هذا العرض يخلص بنا إلى تباين الشروط الضرورية المتطلبة للتسيير الحسن للمهنة وهي:
- ضرورة اعتماد المحامي على النظرة البعيدة، لإيجاد توازن بين البحث عن مقابل عمله واحترام المبادئ.
- ضرورة التضامن بين المحامين لإعطاء المهنة قوة حقيقية.
- ضرورة التضامن بين المحامين والمسيرين، للسماح لهم بكسب الطاقة المطلوبة في تسيير المهنة.
- التجنيد الدائم لأصحاب المهنة حتى تكون بصفة دائمة مواكبة للتطلعات المرجوة في العدالة.
- ضرورة السهر المستمر من قبل مسيري المهنة من أجل الصعود بمستواها حتى تبقى دائما في المستوى المطلوب.
- على السلطة معاملة المهنة طبقا للشروط الضرورية لمساهمتها في العدالة.
ان اختيار الأساليب المذكورة سابقا يرتبط مباشرة بمفهوم المهنة خاصة لدى المحامين. إن الحلول لما يعترض المهنة كثيرة و متناقضة تمتد من الحلول الفردية الصرفة إلى تبنى الشروط سالفة الذكر، ففي الوهلة الأولى يبدو – لدى البعض- أن مهنة المحاماة مجرد تجارة، فقد ينظر في بعض الأحيان إلى المحامي على أنه تاجر تطغى عليه النزعة الفردية، والبحث عن المادة، ولعله من السهل تخيل الأضرار المعتبرة التي يمكن أن تسببها هذه النظرة للمحامي.
النظرة الثانية قد تجعل المحامي مجرد موظف بسيط في خدمة المجتمع مما يؤدي به إلى فقدان جرأته ومسايرة الوضع مهما كان مزريا.
ولعل أحسن حل يتناسب مع المهنة بصفة عامة - على الأقل- في ميدان المبادئ، يقوم الموازنة بين النظرتين أي احترام حرية المحامي من جهة، ومن جهة أخرى مراعاة الدور المنوط له القيام به في المجتمع.
هذا التوازن لا يمكن الحصول عليه إلا في حالة ما إذا كان المحامي والمنظمة التي ينتمي إليها تسودها القناعة والتضامن القوي.
إن مهنة المحامي هي من العناصر الهامة التي تجسد القانون في واقع الناس، والذي هو في حقيقة الأمر اجتماعي في حد ذاته. ومرآة ذلك عند تنفيذ القوانين المتبناة، فيصبح حضور المحامي وجوبي، وبالفعل فلا يمكن تصور عدالة بدون دفاع يكفل ممارستها.
من جهة أخرى فإن المحامي كشخص لا يمكنه أن يعيش منفردا لأن مهنته تفرض عليه التواصل المستمر مع المجتمع. إضافة إلى هذا التواصل فإن المحامي يبقى فردا من المجتمع ويساهم في سريانه.
إن ارتباط المحامي بالمجتمع لا يمكمه أن يكون حائلا، في تمكين المحامي من تكوين تصور يفسر به بطريقة ملائمة ويحدد مفهوم استقلالية مهنته.
هذا الطرح يحيلنا إلى سؤال آخر حول تحديات تسيير المهنة في ظل المستجدات التي تعرفها جميع مجالات الحياة والتي تلقي بظلالها على مهنة المحاماة، والتي تفرض التزامات تكمن في التسيير الحسن لها في مواجهة هذه التحديات، وذلك ما يفرض تجنيد كل المحامين وعلى رأسهم النقيب الشاب علالي محمد الهادي.